وداعا سيدة سورا، وداعا تيته..

 

 

 همام فرح

تورونتو \

 

“طبيبة نفسانية”.

“طبيبة؟”

“هل تعرفين علم النفس …؟”

“إذا، طبيبة!”

“بالتأكيد، تيته، طبيبة

“كنت أعلم بأنك ستجعليننا فخورين بك!”

 

كان توقعات جدتي دائما عالية حيال كل ما يتعلق بنا. وبغض النظر عن كل شيء، لقد كانت مديرة مدرسة ابتدائية في وقت صعب.

 

قريبا، سيتغير اسم المدرسة الابتدائية الشاطئ باء، التي تشرف عليها الأونروا، في حديث الناس اليومي، إلى “مدرسة

همام فرح

السيدة سورا”، وذلك لانتشار سمعتها الجيدة بين المخيمات.

 

سيتذكر العديد من الفلسطينيين من جيل والدي، الذين نشأوا في غزة، السيدة سورا، المرأة التي شهدت تدفق اللاجئين من مدن خضعت لعمليات التهجير على يد القوات الصهيونية خلال نكبة 1948، إلى مسقط رأسها.

 

في الوقت الذي حمل فيه آخرون السلاح من أجل مقاومة الاحتلال الإسرائيلي لغزة بعد سنة 1967، جمعت السيدة سورا أدوات التدريس الرئيسية من أجل تعليم جيل كامل من اللاجئين، أساسيات احترامهم الذاتي في مواجهة حكومة عسكرية مصممة على محق كرامتهم.

 

وبينما كنا نخرق في الساعة التاسعة مساء حظر التجول، ونعود على رؤوس الأصابع إلى منازلنا في ذروة الانتفاضة الأولى، كنت أسأل نفسي عن الأسوأ: هل هو أن يقبض علينا الجيش الإسرائيلي أو أن نضطر للرد على سؤال السيدة سوراه حول سبب تأخرنا؟

 

“لقد كان عمره سبع سنوات” هكذا صرخت دفاعا عن آخر ضحية، باعثة قشعريرة أسفل عمودي الفقري. “ثم أطلق عليه الجندي النار لأنه خرق حظر التجول”. كانت هذه إحدى اللحظات الأولى التي حفزت وعيي السياسي، وغرست في إدراك العمق والشحنة العاطفية التي تحملها هويتي كفلسطيني في هذا العالم.

 

 وداعا تيته، وداعا سيدة سورا.. رؤيتك في الآخرة ستكون أسهل من رؤيتك في غزة

 

ولكن، ما رسخ فعلا في وعيي هو جريمة رحيل جدتي. وما أعنيه هنا هو جريمة الانفصال (والقلق) من حصوله. لم نختر عدم زيارتها منذ أكثر من 10 أو 15 أو 20 سنة أو أكثر. لقد كان قدرا محتوما. كقدر المشهد الجغرافي الفلسطيني، لقد كان قدر الفلسطينيين أن يمزقوا ويتحملوا الوحشية والغربة القسرية.

 

في كل مرة كنت أترك فيها أنا وأسرتي فلسطين، كانت صدمة الوداع، وعدم علمنا ما إذا كنا سنتمكن من العودة، والعناق الحار والبكاء بحرقة كما لو كان اللقاء الأخير، صعبة بنفس القدر الذي كانت عليه صدمة الوداع التي سبقتها.

 

ولكن، عند آخر مرة كنا فيها هناك، تمكنا من رؤيتهم لأربعة مواسم صيفية متتالية. لذلك، افترضت بسذاجة “حتى الصيف المقبل” هو موعد اللقاء، وكان ذلك قبل شهر من اندلاع الانتفاضة الثانية وإغلاق حدود غزة. ثم لم أعد إلى هناك منذ ذلك الوقت.

 

إن الدولة الإسرائيلية عدو لا يحترم كرامة الإنسان، ناهيك عن حقوقه. فنحن نسمع عادة عن الاعتداء الجسدي الذي يلحقه الجنود الإسرائيليون بالفلسطينيين من جميع الأعمار، والتعذيب الذي يتعرض له القصر الفلسطينيون، مثل عهد التميمي، في السجون الإسرائيلية. ولكن التعذيب النفسي يقع علينا جميعا، يطاردنا حيثما حللنا. وعبر الأجيال، اضطر الملايين منا إلى تحمل العيش كفلسطينيين في المنفى، ولكن كل ذلك العذاب مازال يلازمنا.

 

كل ما يمكنني القيام به في هذه اللحظة هو التفكير في صمت والسماح لنفسي بصب أفكاري ومشاعري على هذه الصفحة، لوضع غضبي المستعمَر في شكل كلمات وصور، وأن أتصور انهيار الحائط، ونقطة التفتيش والحاجز وبرج المراقبة. ولأسمح لنفسي أيضا بالاستمتاع بفكرة حرق منشآت الجيش الإسرائيلي الواقعة تحت النيران الحارقة لانتصار الانتفاضة.

 

هنا، أكتب حزني بالحبر والدم.

هذا ما كانت جدتي الحبيبة لتعلمنا القيام به، من مكتبها في مدرسة الأونروا، في مخيم اللاجئين الفلسطينيين.

لذلك، للمرة الأخيرة، وهذه المرة بحق، أقول وداعا، وداعا تيته، وداعا، سيدة سورا..

رؤيتة في الآخرة ستكون أسهل من رؤيتك في غزة..

 
 

نبذة عن الكاتب

 
 

0 تعليقات

كًن أول من يُشارك بالتعليق .!.

 
 

هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟

 




 
 
 
 
 
جميع الحقوق محفوظة © 2018 مشوار ميديا . | تصميم وتنفيذ : YeMeNi AnA .