«نجران تحت الصفر» عمله الأول .. و«راكب الريح» قبل الأخير تطرح أسئلة الحاضر على التاريخ يحيى يخلف: المشروع الصهيونى سيُهزم لأنه مزيج من العنصرية والاستعمار والعدوان

 

حوار ــ جيهان فوزى
 الاهرام
استهل كتاباته الأدبية مطلع السبعينيات بروايته الشهيرة «نجران تحت الصفر»، عن اليمن الذى فارقته السعادة الآن، وهى من أهم الأعمال ضمن قائمة أفضل مائة رواية عربية فى القرن العشرين. الأديب «يحيى يخلف»، ووزير الثقافة الفلسطينى السابق، روائى من طراز خاص، لم يكتف فى رواياته بسرد أحوال شعبه، وجراحه المفتوحة فى الداخل، وفى شقاء المنافي، لكنه عرض قضايا عربية مهمة وحساسة، عبر مسيرة حافلة بالإبداع، تمتد لأربعة عقود، وإحدى عشرة رواية، حاول بها تجسيد روح المقاومة الفلسطينية، فى صمود المخيمات تحت القصف، وجسارة الفدائى بمواجهة الرصاص.حازت روايته قبل الأخيرة «راكب الريح»، الصادرة العام الماضى جائزة «كتارا» للرواية العربية، وترجمت إلى الإنجليزية والفرنسية، وصدرت له قبل أسبوعين روايته الأخيرة «اليد الدافئة» عن الدار المصرية اللبنانية بالقاهرة. وتولى فى السابق، أمانة اتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين، ووزارة الثقافة والإعلام فى السلطة الفلسطينية، وقبلها رأس المجلس الأعلى للتربية والثقافة فى منظمة التحرير الفلسطينية

عدت من باريس قبل أيام، بعدما شاركت بنشاط فى فعاليات ثقافية هناك، فهل وقّعت الترجمة الفرنسية لروايتك «راكب الريح» الفائزة بجائزة «كتارا للرواية العربية»؟ وهل تخطط لكتابة جزء ثان منها كما صرحت سابقا؟

شاركت فى ندوة عن «الرواية العربية فى وطن مضطرب» فى إحدى قاعات حى «سان ميشيل» بالمشاركة مع الروائى الجزائرى «واسينى الأعرج»، وحضرها عدد كبير من الكتاب والأدباء، منهم د.معجب الزهرانى مدير معهد العالم العربي، وكانت النقاشات ثرية، واهتمت وسائل الإعلام الفرنسية بالندوة، وإذاعة مونت كارلو. وروايتى «راكب الريح» التى ترجمت للفرنسية تم توزيعها بشكل لافت، ولم أقرر إلى الآن كتابة جزئها الثاني، رغم أنها تحتمل مزيدا من السرد، وفى مشروعى الروائى الذى بدأته قبل أربعة عقود، عبّرت عن كل المراحل التى مر بها الإنسان الفلسطينى من النكبة والشتات والثورة.

فى روايتك «راكب الريح» تناولت مدينة يافا فى القرن الثامن عشر تحت الحكم العثماني، وغزو نابليون بونابرت لها، من خلال «يوسف» الذى يخرج من حكايات يافا كشخصية اسطورية، فماذا تريد توصيله للمتلقى عبر هذه الرواية؟

ليست رواية تاريخية، لكن زمنها تاريخي، وتتحدث عن عبقرية المكان والإنسان، يافا كانت أهم ميناء على المتوسط المنفتح على بحر إيجه اليوناني، وكان يمثل علاقة الشرق بالغرب، وكانت المدينة تتسم بالتنوع الثقافي، و«يوسف» رسّام وخطّاط وخبير فى الرقش (فن الأرابيسك)، والمعمار، وشخصية أسطورية فعلا، والرواية مستلهمة من سحر وفنتازيا «ألف ليلة وليلة»، أى أن الواقعية السحرية بضاعتنا التى أضعناها وامتلكها الآخرون من كتاب أمريكا اللاتينية. وروايتى هذه غمست ريشتى فى مداد الواقعية السحرية، وعبرت عن ألق الحياة فى يافا ومعمارها وشاطئها وأسواقها وتنوعها، ويمر بطل الرواية بخبرات وتجارب، من اشتباكه مع الانكشاريين، الذين يشبهون داعش، المتشددين الذين يمنعونه من رسم كل ما له روح باعتبار الرسم من المحرمات الدينية عندهم، خاصة رسم الإنسان، ويضطر بعدها للانتقال إلى دمشق والأناضول، ويمر بغوايات كثيرة، لكنه فى النهاية، يمتلك طاقة هائلة، يلتقى بحكيم هندى يعد رسالة عن حكمة الشرق، ويقدمها إلى نابليون لتلتقى حكمة الشرق بحقوق الإنسان التى وضعتها الثورة الفرنسية فى وقتها، وهذه هى رسالتى التى أرسلها عبر الرواية، هل تلتقى حكمة الشرق بالتنوير الأوروبي؟ لكننا فى الرواية نكتشف أن نابليون وضع مدونة حقوق الإنسان فى باريس للإنسان الأوروبي، وبعدها خان مدونته وغزا مصر، وارتكب مجزرته فى يافا، وهزمته عكا شر هزيمة. تقول الرواية: «يرحل الغزاة والمكان لا يرحل. يرحل الطغاة والحكمة لا ترحل».

تنطوى «راكب الريح» على معرفة وتأمل وشجاعة. فهل هى دعوة لقراءة الحاضر الفلسطينى بنظرة جديدة؟

وبالتأكيد. الكاتب أحيانا يسائل التاريخ، والتاريخ يجيب، لكن إذا طرحت السؤال على الحاضر فلا يجيب الأسئلة، والتاريخ كما يقال يكرر نفسه، مرة كمأساة وأخرى مهزلة، واستقراء تاريخ فلسطين يقول إن كثيرا من الغزوات تعرضت لها هذه الأرض المقدسة. بعض الغزوات مكثت مائتى عام، وبعضها أربعمائة، وفى نهاية المطاف تنتهى الغزوات، ويبقى المكان، ويعيد الإنسان البناء والإبداع على ترابه. وآخر غزوة قبل الصهيونية كانت الغزوة الصليبية التى مكثت أقل من مائتى عام ثم انتهت وأعتقد أن الغزوة الصهيونية ليس لها مستقبل فى المنطقة، وأثق أن المشروع الصهيونى سيهزم لأنه مزيج من العنصرية والاستعمار والعدوان.

فى رواياتك السابقة دفعت بالفعل الروائى إلى الأمام موحيا بالانتصار، راسما فلسطينيا مطمئنا إلى تاريخ يحقق العدل، وفى «راكب الريح» أشرت إلى بقاء يافا وخروج المحتلين؟

أنهيت الرواية بجملة لـ «يوسف» يخاطب فيها نفسه بعد دمار يافا:«ما دمت تملك ريشة وقلما وألوانا فارسم يافا جنة الله على الأرض وادخلها بسلام». وتعنى أن الفلسطينى فى يافا أعاد بناءها سريعا وعادت أيقونة كما كانت، وبقيت إلى الغزوة الاسرائيلية ميناء يطل على المتوسط ويسهم فى تعزيز البقاء بهويات كثيرة ومنها حضارات بحر إيجة.

أعمالك السابقة كانت تسير إلى الأمام، لكنك فى «راكب الريح» عدت أكثر من مائتى مائتى عام فى الماضي. فهل هى قراءة للحاضر، أو المستقبل عبر التاريخ؟

التاريخ كما يقول ابن خلدون فى ظاهره أحداث وسير ووقائع لكن فى باطنه العظة والعبرة. لذا وظفت كل ما أمتلك من خبرة وحرفية اكتسبتها من كل تجاربى السابقة لأكتب رواية تسائل التاريخ وتطرح عليه أسئلة الحاضر، وتركت الإجابات مفتوحة على كل الاحتمالات، لكن فى الخلفية دائما فلسطين دخلها حكماء وحاملو قناديل المعرفة وغزاة، وبقيت المعرفة والحكمة، ودُحر الغزاة، وغزاة اليوم حملوا معهم الموت والاحتلال وتشريد الشعب، لذا هم إلى زوال وسيرحلون دون أن يتركوا أثرا من حكمة أو شيئا من تراث وإنما سيتركون بحرا من الدماء ومنظومة من سياسات العنصرية والكراهية والقبح، فلسطين ستكون أجمل عندما يريد الإنسان الابداع من جديد على ترابها ويكنس كل ما خلفه الاحتلال الصهيوني.

الرواية تعكس صورة حضارية عن فلسطين وتاريخها الإنسانى الغنى بالثقافة، وتؤكد ارتباط الفلسطينى بتراثه وتاريخه. هل قصدت إبلاغ العالم والمحتل أن الفلسطينى مقاوم وليس ارهابيا عبر شخصية «يوسف» الذى يتنقل بحثا عن الحقيقة؟

أعتقد أن هذه الرواية، تعبر عن هويتنا وتحمل رسالتنا، وهى أكثر قدرة على تقديم هوية الانسان وهمومه، وأدبنا فى الرواية حديث العهد عمليا، فالرواية الفلسطينية الجديدة بدأت مع غسان كنفانى وجبرا ابراهيم جبرا وأميل حبيبى وأنا وأسماء عديدة أخري، ونشغل مساحة جيدة من المشهد الروائى العربي، ورواياتنا لها خصوصية نابعة من القضية الفلسطينية، ونحن أوجدنا فى الأدب العربى ظاهرة جديدة اسمها «أدب المقاومة والصمود»، لكن هذا الأدب يتعين أن يكون بعيدا عن الشعارات والنسخ الحرفى للواقع، فالرواية تخيل بالأساس، ويجب أن تتوافر فيها عناصر فنية عالية بحيث تشكل إضافة نوعية، فالكاتب عندما يكتب رواية فلسطينية يستطيع أن يوصل الرواية الفلسطينية السياسية والاجتماعية إلى عمق الرأى العام العربي، خصوصا أن الرواية الفلسطينية بدأت تترجم إلى اللغات الحية.

فى روايتك «نجران تحت الصفر» خرجت عن حدود هويتك، وقضيتك كفلسطيني، إلى إقليم عربى آخر، فكنت أكثر حرفية وتماسا واكتشافا لذاك البلد بتفاصيله الدقيقة والخفية، فكيف تجربتك هذه الآن بعد حوالى 40 سنة؟

كانت تجربتى الأولى فى الرواية عام 1977، تجربة معاشة حيث عملت مدرسا فى مدينة نجران، التى لم تكن مدينة وقتها، وأصبحت كذلك الآن، فى ذاك الوقت كنت أعيش فى نجران التى كانت تمثل الثورة المضادة لثورة اليمن، فكانت ساحة حرب ومنطقة عسكرية، وكنا نسمى السلطة الدينية الممثلة بالوهابية بجمعية «الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر»، «جمعية الأمر بالمنكر والنهى عن المعروف»، وما تشهده المدينة من ممارسات تنتمى إلى القرون الوسطي، جعلها رواية عامة عن الإنسان فى مواجهة الحرب والتكفير، وتعرضت الرواية لدى صدورها للمنع والملاحقة، وكانت بمثابة قنبلة ثقافية قدمتنى للمشهد الثقافى العربي، وكان الكثير يستغربون كيف كتبتها عن نجران وليست فلسطين، لكننى عندما كتبت نجران كنت أعتقد أن انتصار الإنسان على التخلف فى نجران يشكل بالنسبة لى خطوة نحو تحرير فلسطين، وحققت حتى الآن حوالى 15 طبعة، ودخلت البلدان العربية التى منعتها أكثر من الدول الأخري، وكان الاهتمام بها لأنها كانت أول رواية تتحدث عن المسكوت عنه فى دول الخليج.

الذاكرة الفلسطينية يحفظها التوثيق والدراما والعمل الأدبي. هل تعتقد أن هذه الوسائل كافية لحفظ ذاكرة فلسطين وتاريخها وهويتها؟

لا يوجد لدينا دراما فلسطينية كظاهرة، لكن بعض الأعمال لكتاب فلسطينيين مثل «التغريبة الفلسطينية» للكاتب وليد سيف، ومحاولات جادة فى المسرح والفن التشكيلى والموسيقي، لكن الرواية الأقدر على الاستفادة بفكرة التوثيق، وكثير من الكتاب حافظوا على الذاكرة مثل غسان كنفانى وجبرا ابراهيم جبرا وأميل حبيبى وسحر خليفة إلى إبراهيم نصرالله وأسماء أخرى عديدة.

روايتك الأخيرة «اليد الدافئة» التى صدرت قبل أيام،عن المصرية اللبنانية، أحداثها تدور حول صراع البقاء، والحب يبدو فيها من ركائز الحياة الإنسانية. فهل قررت مواجهة العنف والاحتلال بانتصار الحب والإنساني؟

بالضبط. لأن الحياة رغم قسوتها، وما نمر به من صعاب وانغلاق الأفق، تؤكد أن لا سبيل لمواجهة اليأس إلا بالتمسك بالأمل، والرهان على قوة الحياة فى روح الشعب الفلسطيني، والرواية تتحدث عن أجيال وراء أجيال تحمل الشعلة من أجل بزوغ الفجر العنيد، فجر الحرية والاستقلال، وهى رواية عن الحرية من خلال حكايا الإنسان وعذاباته وأشواقه وارتباطه بالأرض ودفاعه عن خياراته فى الحياة.

تجسد الواقع الفلسطينى المزرى الآن، الانقسام وتداعياته على الشعب؟

أتحدث فيها عن اللحظة الراهنة، ومن الطبيعى فى ثنايا الرواية نتحدث عن أسرى الحرية فى سجون الاحتلال، وعن الانقسام، والسياسة الفلسطينية الراهنة، والتطلع للتغيير السياسى والاجتماعي، ويمكن أن تكون الرواية الفلسطينية الأولى التى تتحدث عن مقابر الأرقام، أى مقابر الشهداء الذين احتجزتهم اسرائيل ودفنتهم فى مقابر تحمل أرقاما فقط، وتتحدث عن الغربة والشتات، والأرض وأسرارها وارتباطها بأسطورة البقاء، وقصص حب وعشق.

 
 

نبذة عن الكاتب

 
 

0 تعليقات

كًن أول من يُشارك بالتعليق .!.

 
 

هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟

 




 
 
 
 
 
جميع الحقوق محفوظة © 2017 مشوار ميديا . | تصميم وتنفيذ : YeMeNi AnA .