الروسية “تتيانا” فنانة تعيش في غزة تقدم الجمال بفخامة عصرية

 

لؤي رجب
من بلاد الثلج الأبيض حيث المساحات الواسعة، والخيرات الكثيرة إلى أرض غزة، تلك البقعة الصغيرة المحاصرة، أتت تتيانا لتخرج العديد من الطاقات والمواهب الفنية المتعددة في تنسيق الزهور،

وتصميم الديكورات، وزراعة أصناف جديدة، بالإضافة إلى لمساتها الفنية المتميزة في المعارض التي تشارك فيها، فهي تحاول نقل تجربتها من هناك إلى غزة في زراعة بعض الأصناف المميزة من الخضار والفواكه، وتزيين المعارض والمؤتمرات بطريقتها الخاصة.

تتيانا هي مهندسة روسية تعيش في غزة منذ (18 عاماً) بعد ارتباطها بمهندس من قطاع غزة، وأصبحت جزءاً من المشهد الغزي، وتساهم في تعزيز القيم الجمالية المشتركة.

ولدت تتيانا يوري إيفان أبو عودة في مدينة ميلوتوبل في جمهورية أوكرانيا بتاريخ 1/8/1974 في عائلة روسية حيث الأم عملت مدرسة كيمياء والوالد في الشرطة الروسية، أنهت دراستها الثانوية عام 1990 ثم التحقت بجامعة دوكتشاييف الزراعية في ثاني أكبر مدن أوكرانيا “خاركوف” وفي أوائل الجامعات الزراعية على مستوى العالم في عام 1991 وهناك تفوقت بالجامعة وحصلت على أعلى الدرجات العلمية.

التقت تتيانا بزوجها الشاب الفلسطيني الذي كان يدرس معها بنفس الجامعة والتخصص من قطاع غزة، وسرعان ما اقتنعت بقضيته وهو الذي عبر لها عن كل جوانب الحياة في فلسطين عامة وفي قطاع غزة خاصة، وقد أحبت تتيانا كل ما كان يقال وتسمع عن فلسطين، وكل يوم كان الحب والاشتياق يكبر تجاه فلسطين، وكذلك تجاه الديانة الإسلامية التى اعتنقتها فيما بعد.

وتزوجت تتيانا من الشاب الفلسطيني عام 1993 وأنهى الاثنان دراستهما عام 1996، ثم جاءت بعد وداع صعب مع أهلها وبلدها ولحظات ثقيلة لا تنسى إلى قطاع غزة حيث انتظرت أكثر من عام تصريح الزيارة الذي تمنحه السلطات آنذاك لدخول القطاع “لم شمل”.

دخلت تتيانا قطاع غزة عن طريق معبر رفح البري في أواخر شهر رمضان وتحديداً في ليلة القدر عام 1998 وكانت صائمة، ومن هناك بدأت مشوار حياتها الجديد في مجتمع جديد وبالكاد كانت تعرف لغته، وعاشت تتيانا في ظروف اقتصادية صعبة كونه لم يوجد عمل لزوجها آنذاك وأنجبت طفلتها الأولى “تمارا” بعد عام من دخولها قطاع غزة في رمضان 1999.

عاشت تتيانا ضمن المجتمع وأرادت أن تتعلم اللغة العربية فنسجت كل الخيوط مع كافة شرائح المجتمع الجديد وبدأت تتعلم العادات والتقاليد إلى أن أصبحت تتقن اللغة العربية وكل جوانب دينها الجديد، وفي كل يوم يمر كانت تتيانا على موعد جديد مع كل ما هو جديد.

انتفاضة الأقصى

اندلعت انتفاضة الأقصى عام 2000 وتتيانا كانت قريبة جداً على الحدث، حيث تعيش على خط الهدنة مع إسرائيل في شرق مدينة بيت حانون، وبدأت الاجتياحات المتكررة والقصف والاغتيالات وهي التي وثقتها تتيانا في ذاكرتها خاصة وقد سقط كثير من الشهداء والجرحى ممن تعرفهم وتربطها معهم صلة القرابة والجيرة.

لوحات فنية

ومع مرور الأيام والسنين وجدت تتيانا فرصة للتعبير عن تضامنها مع الشعب الذي أحبته ومع شجره ورماله، كيف لا وهي التي شاهدت مأساة المكان فقررت إعادة إنتاج ما دمرته الجرافات الإسرائيلية ولكن عبر استخدام الفن، فجعلت من بقايا الشجر المجرف والمأساة لوحات فنية، شاركت في جميع المعارض التي كانت تقام في غزة، وفي جامعاتها خاصة الجامعة الإسلامية ووحدت الثقافة الروسية والفلسطينية في ألوان اللوحات والمصنوعات من بقايا المأساة والتجريف مع مشغولات يدوية.

وتقول تتانيا: شنت إسرائيل ثلاثة حروب مدمرة على قطاع غزة، حيث عرض على الخروج من قطاع غزة، إلا أنني رفضت فكرة الخروج من القطاع مع إخلاء الأجانب وبقيت مطاردة تحت القصف أنا وزجي وبناتي الأربعة، وشهدت بذلك على ثلاثة حروب مدمرة لا تزال في ذهني تعلق هذه الصورة ودمر خلال هذه الحرب كل الحي الذي كنت أسكن فيه شرقي بيت حانون وتضرر منزلي بشكل كبير.

وتابعت، في حديث خاص لـ:” دنيا الوطن”: “نظرت إلى الأمام وشقتت طريقي بالعمل في مجال تخصصي من خلال وكالة الغوث والمؤسسات التي كانت تعمل في مشاريع مؤقتة وازدادت خبرتي مع الزمن.

العمل في الزراعة

وأضافت: “في عام 2013 ومن خلال مبادرتي التطوعية تعرفت على وزارة الزراعة ونقابة المهندسين الزراعيين، وقد أعجبوا بأعمالي الفنية في المعارض، وبسبب خبرتي الكبيرة في الزراعة وفي الفن الزراعي، الأمر الذي كان سبباً في توظيفي على كادر الوزارة عام 2013م.

وعملت تتيانا في “الإدارة العامة للتربة والري” التابعة للوزارة وبحثت من خلال عملها على حل لقضية ملوحة المياه في قطاع غزة، واستنباط أصناف جديدة لصحة السكان، فوجدت في محصول “البنجر” حلاً لهذه المشاكل، وقد تواصلت مع روسيا بلدها الأم لأرسال البذور اللازمة لزراعتها في قطاع غزة، وكان لها ما أرادت وعملت 3 تجارب ناجحة عن المحصول المذكور، ووصلت بفكرتها من خلال المعارض للشعب الفلسطيني حول فوائد البنجر ومواصفاته واستخدامه كمحصول بديل للمحاصيل التي لا تحتمل ملوحة المياه.

خطوة الألف ميل

ولا تكتفي تتيانا بزراعة محصول “البنجر” بل كان لها اهتمامات أخري في مجال تنسيق الزهور وعمل الديكورات وتزيين المعارض الزراعية التي أقامتها الوزارة، فهي تبذل جهداً في انتقاء الزهور والشموع والخزفيات، وترى تتيانا أن تنسيق الزهور وتصميم الديكورات هي ليست مهنة يمكن أن يتعلمها أو يمارسها كل من أراد، فهي بالنسبة لي موهبة وهواية، وتنتقي تتيانا أجمل الزهور بذوق فني رائع، ولوحات مبدعة، تقدم الجمال بفخامة عصرية تلبي حاجات الناس كما أن أغلب أعمالها تأتي عبر استخدام الأدوات البسيطة المتواجدة في الطبيعة بدون تكلفة إنتاجية عالية.

وفي عملها الدؤوب، تحظى المهندسة تتيانا بتقدير واحترام، من جميع العاملين في وزارة الزراعة، الأمر الذي دفعها إلى عمل المزيد من التجارب الزراعية الناجحة، وعرض إنتاجها للجمهور والتعريف به.

ولا تزال تتيانا تعيش في أسرة صغيرة في كنف زوجها على الحدود الشرقية لمدينة بيت حانون، وتتأمل بمستقبل أفضل لها ولبناتها وللشعب الفلسطيني.

وفي ختام حديثها تؤكد أنها ما زالت تحب أرض فلسطين وطنها الجديد، وأصبحت تتأقلم مع الواقع في غزة كيفما كان شكله، بالرغم من كل الصعوبات والمخاطر والتحديات.

 

 
 

نبذة عن الكاتب

 
 

0 تعليقات

كًن أول من يُشارك بالتعليق .!.

 
 

هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟

 




 
 
 
 
 
جميع الحقوق محفوظة © 2017 مشوار ميديا . | تصميم وتنفيذ : YeMeNi AnA .